أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس هذا الأسبوع واحدا من أقوى تحذيراته حتى الآن بشأن الذكاء الاصطناعي، معلنا أن العالم "لا يستطيع تحمل سباق نحو القاع بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي" بينما تستعد الحكومات للاجتماع في نيويورك لحضور الأسبوع الرفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي حديثه للصحفيين قبل الاجتماع السنوي لزعماء العالم، وضع غوتيريش الذكاء الاصطناعي الجامح إلى جانب أزمة المناخ وتفاقم عدم المساواة باعتبارهما التهديدات الوجودية الثلاثة التي تواجه الكوكب.

تأتي هذه التصريحات، التي أوردتها رويترز وأخبار الأمم المتحدة والمنافذ الإعلامية في جميع أنحاء العالم، في لحظة مشحونة: إذ تضغط الأمم المتحدة من أجل تنسيق دولي ملزم بشأن إدارة الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما تشير واشنطن إلى لمسة أخف، حيث أشارت رويترز إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أطلق ناقوس الخطر بعد أن قلل الرئيس ترامب من الحاجة إلى تنظيم أكثر صرامة للذكاء الاصطناعي.

"عصر عدم اليقين العميق"

وفي مؤتمر صحفي قبل ستة أيام من وصول الزعماء إلى نيويورك، قال غوتيريش إن العالم دخل "عصرا من عدم اليقين العميق". واعترف "بالإمكانات الهائلة" للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الصحة والتعليم وعلوم المناخ، لكنه حذر من أن التكنولوجيا تتقدم بشكل أسرع من الفهم البشري لمخاطرها.

وقال: "إن العالم لا يستطيع تحمل سباق نحو القاع فيما يتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي"، معتبراً أن القواعد الوطنية وحدها لن تكون كافية. "إن العمل الوطني ضروري، ولكن التنسيق العالمي لا غنى عنه."

كما أعرب الأمين العام عن شكوكه في أن التوقفات الطوعية لتطوير الذكاء الاصطناعي الحدودي يمكن أن تنجح عندما تكون معزولة - تقتصر على حفنة من البلدان، أو لا يمكن التحقق منها، أو يتم تطبيقها بشكل غير متساو. ومع تصاعد المخاوف من سباق تسلح الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين، أقر بأن الانقسامات الجيوسياسية تجعل التنسيق أكثر صعوبة، وليس أقل ضرورة. وقال: "إذا كنا نعتقد أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يتباطأ عندما تصبح المخاطر كبيرة للغاية، فإننا نحتاج إلى أكثر من مجرد النوايا الحسنة".

آلية حوكمة الذكاء الاصطناعي الناشئة في الأمم المتحدة

ووراء هذا الخطاب تكمن بنية الحكم التي تبلورت بهدوء على مدى العامين الماضيين. ودعا الميثاق الرقمي العالمي، الذي تبنته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2024 كجزء من ميثاق المستقبل، إلى إنشاء آليتين جديدتين: هيئة علمية لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي وفرصه، ومنتدى سنوي حيث يمكن للحكومات مواءمة أساليبها. أنشأت الجمعية العامة كليهما رسميًا في أغسطس 2025.

أصدرت اللجنة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي تقريرها الأولي في الأول من يوليو/تموز. وخلص التقرير إلى أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بسرعة ــ وخاصة في مجالات الاستدلال والترميز والبحث العلمي ــ في حين تسلط الضوء على المخاطر بما في ذلك المعلومات المضللة، والتمييز، وانتهاكات الخصوصية، والهجمات السيبرانية، وأشكال "الذكاء الفائق" التي قد يصبح من الصعب السيطرة عليها.

أما الحوار الثاني، وهو الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، فقد تم تصميمه ليكون بمثابة جانب الاستجابة للثنائي: حيث تقدم اللجنة الأدلة، وتقرر البلدان ما يجب فعله بها.

وأشار غوتيريش إلى اللجنة باعتبارها الأساس لاتخاذ قرارات عالمية مستنيرة، وحث الحكومات على بناء حواجز حماية "تجعل الذكاء الاصطناعي آمنًا وشفافًا وخاضعًا للمساءلة، مع وضع الكرامة الإنسانية في المركز". كما دفع بمبادرتين ملموستين: تعهد سلامة الأطفال في مجال الذكاء الاصطناعي، والصندوق العالمي للذكاء الاصطناعي لمساعدة البلدان النامية على بناء البنية التحتية والقدرات في مجال الذكاء الاصطناعي.

اتساع الانقسام عبر الأطلسي

يأتي تدخل الأمين العام للأمم المتحدة وسط انقسام واضح بين الدفع التنظيمي في أوروبا وتحول واشنطن نحو إلغاء القيود التنظيمية. وبينما ينفذ الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي الخاص به وتقوم هيئات الأمم المتحدة ببناء آليات التقييم، تؤكد الإدارة الأمريكية على الابتكار والقدرة التنافسية، وذكرت وكالة رويترز أن الرئيس ترامب قلل من المخاوف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي التي يواصل غوتيريس ومسؤولون آخرون إثارةها.

وردا على سؤال حول مدى السرعة التي يمكن بها للأمم المتحدة عقد قمة تؤدي إلى تنظيم فعال، قال جوتيريش إن ذلك لا يمكن أن يحدث خلال الجمعية العامة الأسبوع المقبل، ولكن يجب أن يأتي قريبا، مع "مشاركة الجميع" من القطاعات العامة والخاصة والعلمية والمجتمع المدني.

إن الإلحاح في لهجته يعكس سلسلة من التحذيرات الأخيرة من داخل الصناعة نفسها. في وقت سابق من هذا الشهر، حذر باحث سابق في أنثروبيك علناً من أن الذكاء الاصطناعي المتقدم يمكن أن يشكل تهديداً وجودياً للبشرية، وقد صاغت تصريحات غوتيريس مسار التكنولوجيا كسؤال لم يعد بإمكان المجتمع الدولي تأجيله.

ماذا سيحدث بعد ذلك

سوف يحتل الذكاء الاصطناعي مكانة بارزة عندما يبدأ الأسبوع الرفيع المستوى للجمعية العامة، إلى جانب المناقشات حول الحربين في غزة وأوكرانيا. ويظل السؤال المركزي المفتوح هو ما إذا كان من الممكن أن يتطور الفريق العلمي التابع للأمم المتحدة والحوار العالمي من مجرد حوارات إلى آليات ذات تأثير حقيقي على السياسة الوطنية ــ وهو السؤال الذي سيختبر ما إذا كانت المؤسسات المتعددة الأطراف قادرة على التحرك بسرعة قريبة من سرعة التكنولوجيا التي تحاول التحكم فيها.

وفي الوقت الحالي فإن رسالة الأمين العام إلى زعماء العالم واضحة لا لبس فيها: فالمخاطر عالمية، والحكم ليس كذلك، ونافذة سد هذه الفجوة بدأت تضيق.

_ابق في المقدمة. تابع المعركة العالمية حول قواعد الذكاء الاصطناعي وأهم القصص في مجال الذكاء الاصطناعي على AI Buzz Wire._

_اقرأ المزيد من أخبار الذكاء الاصطناعي →_